القرطبي
227
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
قال الحليمي : وهذا الحديث يحتمل أن يكون إنكار من النبي صلى اللّه عليه وسلم على التي قطعت بأن الصبي في الجنة ، لأن القطع بذلك قطع بإيمان أبويه ، وقد يحتمل أن يكونا منافقين فيكون الصبي ابن كافرين ، فيخرج هذا على قول من يقول : قد يجوز أن يكون ولدان المشركين في النار . وقد يحتمل أن يكون أنكر ذلك لأنه لم يكن أنزل عليه في ولدان المسلمين شيء ثم أنزل عليه قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الطور : 21 ] وقد قرئ : « وأتبعناهم ذريتهم » فأخبر تعالى أن الذين آمنوا في الحياة الدنيا جعل ذرياتهم أتباعهم في الإيمان ، وأنه يلحق بهم ذرياتهم في الآخرة ، فثبت بذلك أن ذراري المسلمين في الجنة ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « سألت ربي أن يريني أهل الجنة وأهل النار فجاءني جبريل وميكائيل عليهما السلام في النوم فقالا : انطلق يا أبا القاسم ، إلى أن قال : وأنا أسمع لغط الصبيان ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال : هم ذرية أهل الإسلام الذين يموتون قبل آبائهم ، يكفل بهم إبراهيم عليه السلام حتى يلحق آباؤهم » « 1 » . فدل أنهم في الجنة . قال المؤلف رحمه اللّه : الحديث الذي احتجوا به خرّجه أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا قيس بن الربيع ، عن يحيى بن إسحاق ، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة رضي اللّه عنها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أتي بصبي من الأنصار ليصلّى عليه فقلت : يا رسول اللّه ؛ طوبى له عصفور من عصافير الجنة ، لم يعمل سوءا قط ولم يدره » . فقال : « يا عائشة ؛ أولا تدرين أن اللّه تبارك وتعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا ، وخلق النار وخلق لها أهلا ، وهم في أصلاب آبائهم » « 2 » . وقالت طائفة : أولاد المسلمين في الجنة وأولاد المشركين في النار ، واحتجّوا بما ذكرناه من الآية والحديث ؛ بحديث سلمة بن يزيد الجعفي ، قال : أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم أنا وأخي ، فقلنا : يا رسول اللّه إن أمنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف وتصل الرحم وتصوم ، وتفعل وتفعل ، فهل ينفعها من عملها ذلك شيء ؟ قال : « لا » قال : فقلنا إن أمنا وأدت أختا لنا في الجاهلية ، لم تبلغ الحنث ، فهل ذلك نافع أختنا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أرأيتم الوائدة والموءودة ؛ فإنهما في النار ، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فيغفر لها » « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه نحو منه : الطبراني في « الكبير » ( 8 / رقم : 7666 ، 7667 ) وغيره . ( 2 ) أخرجه الطيالسي ( 1574 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 3 / 478 ) والبخاري في « التاريخ الكبير » ( 4 / 72 - 73 ) والطبراني في « المعجم الكبير » ( 7 / رقم : 6319 ، 6320 ) وإسناده صحيح كما قال الألباني في « المشكاة » ( 1 / 40 ) .